تقول الجدات إن ولادة عن ولادة تختلف. بالفعل، المخاض التونسي والمخاض المصري يختلفان عن الليبي
تونس ومصر رغم كل شيء كانتا ولادة سلسة نسبيا وطبيعية، أما ليبيا فهي ولادة عسيرة تحتاج إلى قيصرية
فمن أين لها بجـراح ماهر؟ ثم كم من الوقت بقي قبل أن يتعرض الجنين والأم للخطر؟
إن لم تأت القيصرية في الوقت المناسب فقد يموت الجنين ولا تولد الثورة الليبية قط، أما الأم فيمكن أن تتقطع أوصالها في حرب أهلية تفتح أبواب جهنم على الليبيين، وقد تصيب الرحم العربي بالعقم الثوري وقد تعرض حتى ثورات عربية رضيعة إلى خطر الوأد
وحذار من جلب جراح غريب، أعجمي، يأتي بمعداته وأدواته لا أحد يعلم ما سيفعل بجسد عربي وبرضيع سيكون تحت رحمته لكي يتنفس ويعيش. ليس هناك من جراح غريب يتصدق على جسد عربي ينضب بالكنوز لمجرد المساعدة، فلكل مساعدة ثمنها، والثمن قد يكون باهظا ويترك بصماته على مستقبل الأسرة بأكملها فتجد نفسها أسيرة مساعدته وتجد أن الحرية التي طالما انتظرتها وضحت من أجلها، تتحول إلى سراب
الجراح حبذا لو كان ليبيا ومعه فريق طبي ليبي لأن الجسد ليبي والجنين ليبي. وإن كان هناك ما ينقص فليت العرب هم من يأتون إلى النجدة بدلا من طلب النجدة من الغريب فلديهم من المعدات والخبرة والموارد ما يكفي ويوفي لكي تتم القصيرية بأياد ليبية وتبقى ضمن الأسرة العربية، ولا يتعدى الدور الأجنبي في المهمة الطبية دور الاستشارة والمعونة عن بعد إن لزم، ويمكن للاستشارة أو المعونة البعيدة أن تأتي من جار تركي مثلا بدلا من غريب أبعد منه عنا جغرافيا وثقافيا. وأكرر: إن لزم الأمر
أعرف أن الجامعة العربية لم تكن قط اسما على مسمى لأنها لا تجمعنا ولا تمثلنا. وأعرف أن الحكام العرب يخشون أن تصبح سابقة تفتح الباب أمام قيصريات عربية مستقبلية في أجساد ثائرة لكن الجامعة تبدو وكأنها تهتز قليلا إثر زلازل الثورات العربية ضمن تونسامي مستمر
أنا على يقين أن كل الشعوب العربية تريد مساعدة الشعب الليبي. لكنها لا تزال أسيرة، ما عدا في مصر وتونس. هما الرغيفان المحرران لسندويشة لبها ليبيا، عدم تحررها سيؤثر عليهما سلبا بالضرورة، وتحررها سيعزز من تحررهما. استقرارها واستقرارهما في بوتقة واحدة. ويكفي أن ننظر إلى الأكثر من مليون مصري والعدد الكبير من التونسيين الذين يكسبون قوتهم في ليبيا وكم منهم لا يزالون موجودين داخل ليبيا
الدول المحيطة بليبيا: تونس والجزائر ومصر، هي الأقدر من غيرها على مساعدة الشعب الليبي في عمليته القصيرية التي ينبغي أن يقوم بها هو بنفسه. سمعت عن موقف جزائري متحفظ بخصوص دعم الثورة الليبية، لست على إطلاع على تفاصيله. لكن لا أظن الجزائر تريد أن تجد نفسها كما وجدت ليبيا نفسها مع تونس ومصر بعد أن دعم القذافي طاغيتيهما فسرعان ما جاءه الدور. تونس قد تكون لديها إمكانيات محدودة لكنها قادرة على تقديم المعونة الإنسانية والمعنوية والمشاركة في معونة لوجستية. وطبعا تبقى مصر هي صاحبة الإمكانيات الكبرى اللازمة
أنا أقدر الظرف الدقيق في مصر وفي تونس. كلاهما رضيعان وسط غابة. التاريخ لا يختار دائما أفضل التواقيت، وكأنه يريد لمصر أن تكبر بسرعة وتصبح لبؤة الغابة لتنقذ مع شقيقاتها الجنين الليبي. إن لم تأت نجدة العرب إلى ليبيا فإن ما ينتظرها مخيف، سواء تركت دون قيصرية لتتفجر أواصلها وتنزف، أو أوتي بفريق طبي أجنبي لا ثقة به عندما يقول إنه لا يريد سوى القيام بعملية جراحية واحدة أو زيارة طبية قصيرة.. إن مجرد إقحامه في جسد عربي ينتقص من أصالة الأم والجنين. وما يحصل في ليبيا سيكون له أثره على كل جاراتها، لا محالة، وأولها أهم الجارات: مصر المحررة. لا أتخيلها ترضى بوجود عسكري أجنبي على حدودها وهي لديها أصلا عبء التعامل مع حدود أخرى معقدة. إن أي عمل عسكري أجنبي في ليبيا مهما قدمه البعض على أنه بسيط وصغير هو منزلق خطير يمكن أن يجرجر أكثر منه مع تطور الأحداث.
والوقاية خير من العلاج، يا عرب
هل أحلم؟ ظننت أنني كنت أحلم عندما ولدت سيدي بوزيد. لكنها حية ترزق. ومثلها الثورة المصرية. علينا أن نحلم لكي تلد أحلامنا وليتها تكون دائما ولادة طبيعية يسيرة لكن إن احتاجت قيصرية فلا بد منها لإنقاذ الحياة ووقف النزيف والآلام
الغريب لم يوقف نزيف غزة.. الغريب تسبب في نزيف العراق .. إن نحن استطعنا أن نقوم بقيصرية ليبيا ضمن الأسرة العربية ستتغير كل آفاقنا المستقبلية الإقليمية ، وإن نحن أقحمنا أياد غريبة في جسدنا العربي، فستبقى الآفاق هي نفسها لا بل قد تتقلص إلى لا آفاق