Showing posts with label USA. Show all posts
Showing posts with label USA. Show all posts

3 Jan 2014

أنسيتم لغتكم؟ - ديمة الخطيب


المقال نشر في ٢٧ ديسمبر كانون الأول ٢٠١٣ في جريدة القبس الكويتية


أنسيتـم لغتكـم؟


المشهد الأول : التوابل

تدخل المقهى أسرة أرجنتينية، فيتحدث أفرادها فيما بينهم بالاسبانية 

تدخل المقهى أسرة فرنسية، فيتحدث أفرادها فيما بينهم بالفرنسية 

تدخل المقهى أسرة برازيلية، فيتحدث أفرادها فيما بينهم بالبرتغالية 

تدخل المقهى أسرة أمريكية، فيتحدث أفرادها فيما بينهم بالانكليزية 

ثم تدخل المقهى أسرة عربية، فيتحدث أفرادها فيما بينهم بالانكليزية مع بعض التوابل العربية مثل: عن جد، والله، بالله، خلص 

ثم تدخل المقهى أسرة عربية أخرى، فيتحدث أفرادها بالعربية مع كثير من التوابل الانكليزية

تتعذب مسامعي ، فأضع سماعات ملؤها الموسيقى كي تعزلني عن التلوث اللغوي المزعج 

--- 

المشهد الثاني : نسيتُ العربية 

ألا تتحدثين الانكليزية؟ 
سألتني بانكليزية لا تخفى على أحد فيها الأصول اللغوية العربية، فالراء 
راء عربية صارخة والباء باء عربية وليست "بي" أعجمية 
P 
خمنتُ بلدها من لكنتها ومن لحن الجملة، بالانكليزية طبعاً 
فقلتُ، بالعربية: ألا تتحدثين العربية؟ أنتِ من (اسم البلد)، صح؟ 
فردت من جديد بانكليزيتها العربية اللفظ: نعم صحيح. لكني اعتدت على الانكليزية فهنا لا تعرف من يتحدث العربية ومن لا يتحدثها. لقد نسيتُ العربية 

هي نسيت العربية؟!!! هل يمكن لشخص أن ينسى لغتَه الأم؟

--- 

المشهد الثالث : إنكار الذات 

أتعجبكِ الحياة في الإمارات يا ديمة؟ 
سألْتني بانكليزية فائقة، أمريكية اللكنة 
قأجبتُ بالانكليزية: نعم... ألا تتحدثين العربية؟ 
فقالت، بالانكليزية: نعم 
فواصلتُ بالعربية: الحياة هنا سهلة وسلسة بشكل عام، وآمنة، لكني أشعر بغربة لغوية بسبب عدم استخدام اللغة العربية. الناس لا تتحدث العربية كثيراً 
فردت علي، بالانكليزية: نعم معك حق هي مشكلة، أنا أيضاً يزعجني الأمر 

سكتتُ بضع لحظات .. ربما هي لا تلاحظ أنها ما زالت ترد علي بالانكليزية 
فواصلتُ بالعربية: مثلاً تتحدثين إلى الناس بالعربية فيردون عليك بالانكليزية رغم إصرارك على العربية 
فردت علي، بالانكليزية من جديد، وهي تضحك، لتؤكد كلامي وتؤكد انزعاجها هي أيضاً من الأمر 

أصابتني حالة من الجمود. ألا تلاحظ على نفسها أنها ترد علي بالانكليزية، وهي شخص على تحصيل جامعي عال؟ هل علي أن أنبهها إلى أنها تدعي أن الأمر يزعجها وفي الوقت ذاته تمارسه في الحديث حول الموضوع نفسه؟ هل هو انفصام؟ أم ازدواجية؟ أم انكسار داخلي نفسي؟ 

--- 

هذه المشاهد تتكرر في الحياة اليومية إلى حد يجعل الكثيرين لا يلاحظون أساساً ظاهرة ابتعاد الناطقين بالعربية عن التحدث بالعربية، فتصبح شيئاً عادياً 

ظننت بعد غربة طويلة أن الأمر يقتصر على الإمارات، بحكم وجود نسبة عالية للغاية فيها من الأجانب، لكني سافرت خلال العام الفائت إلى بلدان عربية أخرى في منطقة الخليج وخارجها لا يوجد فيها نفس الكم من الأجانب، فوجدت الآفة ذاتها تتفشى بين الناس. ربما في بعض البلدان يقتصر الأمر على طبقة معينة من الناس فقط، لكنها شريحة واسعة جداً من المجتمع، وهي شريحة "المثقف" المتعلم والمهني في شتى المجالات بما فيه الكاتب والصحفي والمعلم والفنان وحتى الأستاذ الجامعي 

وتفاجأت بأن حتى أفراد أسرتي وأصدقائي القدامى قد انخرطوا في ممارسة تحدث الانكليزية فيما بينهم وحتى في المنزل، دون أن يشعروا بذلك، وإن شعروا فلا يزعجهم الأمر، لدرجة أنني أصبحت أشك أنني الوحيدة التي يزعجها الأمر في بيئتي 

لقد عشت في عدة قارات في العالم في حياتي القصيرة. لم أشهد مثل هذه الظاهرة إلا عند العرب 

في كل الدول الأوروبية التي زرتها أو درست فيها أو عملت فيها كان الناس يتعلمون لغات أجنبية من أجل السفر أو الدراسة أو أي سبب آخر. لكنهم يتحدثون فيما بينهم ومع الأجنبي بلغاتهم، إلا إن كان الأجنبي غير قادر على التفاهم معهم بلغاتهم الأصلية. وفي بلد مثل سويسرا فيها أربع لغات رسمية كان أغلب الناس يتحدثون لغتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو أكثر، لكن فيما بينهم يتحدثون كل بلغته الأم 

‫عشت في هونغ كونغ التي كانت تحت حكم بريطانيا على مدى ١٠٠ عام، ولم يكن قد مر وقت طويل على عودتها للصين، وكان أهلها يتحدثون بالصينية (الكانتونية) وليس بالانكليزية. لم أجد هناك سوى أقلية قليلة جداً من نخبة ثرية متكبرة وبرجوازية كانت تتحدث بالانكليزية وتتمسك بها. وإلا فباقي الشعب كان يتحدث الانكليزية فقط إن اضطر إليها مع الأجانب، ولم يكن سوى القليل منهم يتقنون الانكليزية

وفي كل البلدان الآسيوية التي تجولتُ فيها ومنها فييتنام، لاوس، تايلاند، تايوان، اليابان، الصين كان الناس يتحدثون بلغاتهم بشكل طبيعي جداً. حتى أني توقعت أن أجد انتشار الفرنسية في فييتنام بحكم الاستعمار الفرنسي سابقاً لكني لم أجد الفرنسية سوى لدى نخبة من الفنانين والمثقفين، وكانوا يتحدثونها مع الأجانب وليس فيما بينهم 

في أمريكا الشمالية لا داعي أساساً للخوض في المشكلة لأن الناس هناك لا يتعلمون عادة لغات أجنبية ولا يشعرون بالحاجة إليها لأنهم يفترضون أن الكل في العالم يتحدث الانكليزية – وهو أمر غير صحيح طبعاً

في استراليا ونيوزيلاندا كان الحال مشابهاً للولايات المتحدة الأمريكية بمعنى أن الناس لا تتعلم لغات أجنبية ولا تشعر بالحاجة لها بسبب البعد الجغرافي عن كل شيء، لكن الفرق أن نسبة المهاجرين العالية من شتى أنحاء العالم هناك تجعلهم واعيين، في المدن على الأقل، لوجود لغات أخرى ولأهميتها 

أما في أمريكا اللاتينية آخر محطاتي في العالم، ففي كل تجوالي وترحالي – وأنا زرت كل بلدان أمريكا الجنوبية والوسطى تقريباً - لم أصادف شعباً يتبنى لغة للتخاطب مع أبناء شعبه غير لغة بلده. هناك طبقة ثرية برجوازية تحرص على تعليم أبنائها اللغة الانكليزية لكني لم أسمع يوماً أحداً من تلك الطبقة يحدث شخصاً آخر من بلده بالانكليزية. طبعاً هم في أمريكا اللاتينية تبنوا لغات مستعمريهم السابقين وأهمها الاسبانية والبرتغالية، علماً بأن بلدان القارة نالت استقلالها قبل مئتي عام تقريباً بعد استعمار أوروبي قاس ودموي دام أربعة قرون وكان قمعياً على كل المستويات، منها الثقافية-اللغوية. اللغات التي ورثتها القارة عبر الاستعمار أصبحت جزءاً من ثقافة تلك الشعوب ويشعر الإنسان باعتزازهم الشديد بها، مع العلم أنهم يتحدثونها اليوم بشكل يختلف عن اسبانيا والبرتغال وقد أسسوا بناءً عليها ثقافات وفنوناً وآداباً وأبدعوا في جوانب منها. وفي الوقت ذاته فهم يعملون في السنوات الأخيرة على استعادة لغاتهم الأصلية وإحيائها ودعمها من خلال مشاريع جادة بدأت توتي ثمارها، وهي لغات يتحدثها حتى اليوم ما تبقى من السكان الأصليين الذين كانوا هناك قبل وصول المستعمر الأوروبي 

جميل أن نتعلم لغات أجنبية وأن نثري معرفتنا الثقافية والتاريخية والحضارية. لكن لمَ نتخلى عن لغتنا؟ لم نزحف نحو وأد ثقافتنا ولغتنا بأنفسنا؟‬ 

جبران خليل جبران كتب: ويل لأمة تلبس مما لا تنسج وتشرب مما لا تعصر 

لو عرف ما آل إليه حالنا اليوم لربما كتب أيضاً: ويل لأمة تحتقر لغتها فتهملها وتجهلها وتنطق وتفكر بلسان أخرى 



6 Nov 2013

هالوين العرب : يا للهول !


هالوين العرب: يا للهول


المقال نُشر في ٥ نوفمبر تشرين الثاني ٢٠١٣ في جريدة القبس الكويتية  


أستغرب فعلاً تغلغل فكرة العيد المعروف باسم هالوين بالانكليزية، الذي أسميه أنا عيد الرعب، إلى ثنايا المجتمع العربي

أستغرب حين أرى آباءً وأمهات يتظاهرون بأنهم يلعبون لعبة الرعب مع أطفالهم في حفلة من حفلات الهالوين وكأننا، العرب، نفتقر إلى عنصر الرعب في حياتنا، وكأنه شيء دخيل نتسلى به في حفلة


عيد الرعب

تعرفت على عيد الرعب هذا، عندما كنت في سن المراهقة، أثناء إقامة مطولة لي في الولايات المتحدة الأميركية. حسب فهمي له فإن أصوله مسيحية، ويصادف كل عام يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول)، والهدف منه هو تذكر الموتى، بمن فيهم القديسون والشهداء وسائر «المؤمنين» الذين رحلوا

لكنه تحول إلى مناسبة تجارية للاستهلاك، ككل شيء تقريباً، فأصبح مناسبة يشتري الصغار والكبار على حد سواء من أجلها أزياء تنكرية، وتغير كل المحال زينتها على مدى أسابيع تأقلماً مع المناسبة، ويصبح كل شيء بلون أو طعم أو شكل شخصيات الهالوين


ليس عليك أن تنتظر

حسناً، هذا في الولايات المتحدة، حيث يشعر المواطن ــ ربما ــ بأنه يحتاج إلى شيء من الإثارة والرعب كي يكسر الجمود والرتابة في حياته اليومية، التي لا أشك في أن لها صعوباتها، لكنه على الأقل لا يتعرض لخطر تفجير أو قصف أو تعذيب أو تشرد أو اختفاء أو اعتقال كلما خرج من منزله

أما في الوطن العربي، فالرعب جزء من حياتنا اليومية. ليس عليك أن تنتظر قدوم 31 أكتوبر أو عيداً ما كي تعيش حالة الرعب. في بعض البلدان العربية ما عليك سوى النزول إلى الشارع وستجد الرعب في انتظارك، وما عليك أن ترعب أطفالك لأنهم مرعوبون أساساً من واقعهم المأساوي، وما عليك أن تبحث عن وحوش كاسرة تتنكر بأزيائها وأقنعتها، وتنبش في أساطير قديمة وحكايات خيالية حول مصاصي الدماء وأشباههم، فعندك تشكيلة واسعة في الواقع من وحوش حقيقية تبيد البشر وتمتص الدماء وتقتل الأطفال، وتقصف المدنيين وتفجر بيوت الناس وتدمر المدارس والمستشفيات وتغرق الناس بالغاز، وحتى بالأسلحة الكيماوية وتشرد الملايين


كوابيس واقعية

ليس عندنا حاجة إلى الخيال، فالواقع يسبق الخيال بكثير في رعبه. قرأت عن انتحاري في العراق قبل أيام أصر على تفجير نفسه رغم توسل الجميع له بألا يفعل، لأن الشخص الوحيد الذي كان قد بقي على قيد الحياة هو رضيع بعد أن قُتل كل أفراد الأسرة. حمل الطفل بيده، حسب الروايات التي قرأتها، وفجر نفسه بالحزام. وقبله بأيام آخر يفجر نفسه في مقهى شعبي ببغداد. الخيال نفسه لا يتسع لهذه الكوابيس

إن كنت من المحظوظين الذين يعيشون في بلد عربي آمن، في الوقت الحالي، فما عليك سوى أن تفتح تلفازك على أي نشرة أخبار، وسيتسلل الرعب إلى قلبك من أول خبر آتٍ من قصف في سوريا أو تفجير في العراق أو أطفال يموتون في اليمن، أو مزيد من معاناة الفلسطينيين. أو افتح الانترنت وستنهال عليك الأخبار الدموية وفيديوهات يوتيوب حتى عن نحر الرقاب وسحل الجثث، وأحياناً سحل الأحياء حتى الموت وتعذيب الأطفال واغتصاب النساء، وستبقى أصوات الضحايا تطاردك في ليلك ونهارك أياماً وأسابيع وربما العمر كله، تأتيك من فرع الرعب العربي على الانترنت


الزمن البريء

أعترف أنني كنت أنا نفسي أعشق في أيام المراهقة أفلام المخرج السينمائي البريطاني المعروف ألفرد هيتشكوك، وهو معروف بأفلام الرعب، لكنها أفلام مبنية على بث الخوف أكثر من نشر مشاهد الذبح والقتل. وفي مرحلة أخرى من حياتي استحوذتني أفلام تدور حول فكرة الهالوين فتحولها من عيد إلى حقيقة، وتحصل في الفيلم أحداث مرعبة ومروعة ودموية. لم أفهم وقتها سبب اهتمامي بها. وقتها كنا نعيش زمناً بريئاً نوعاً ما، بمعنى أننا بمعزل عن المعلومات والصور والفيديوهات التي تصور ما يحدث في بلادنا، فكان القمع وكانت الحروب وكانت المعاناة كلها تتم بلا نشطاء ولا يوتيوب ولا فيسبوك ولا تويتر ولا حتى فضائيات. وكان توثيقها يأتي لاحقاً ولا يطاردك في هاتفك المحمول. لكن مرت السنوات وأصبح كل شيء ينقل لنا على الهواء. فحتى أولئك الذين لا يعيشون تحت الرعب اليومي في حياتهم أصبحوا يعيشونه عبر التواصل المباشر


صورة الزعيم

لو دعيتَ إلى حفلة هالوين وقررتَ الذهاب ــ هداك الله ــ فهناك زي تنكري لن يكلفك شيئاً، بل سيكون من أسهل وأبسط ما يكون: صورة مكبرة لبشار الأسد من الصحف التي تعج بأخباره كل يوم. اصنع منها قناعاً، وستكون بلا شك أكثر وأخطر وحشاً في الحفلة.. إلا إن نافسك في بث الرعب فيها قناع لمعمر القذافي، أو لطاغية عربي آخر.. حتى حافظ الأسد إن رأيت صورته اليوم أصاب للوهلة الأولى بحالة ذعر تلقائية

أما من يريد إثارة ورعباً حقيقيين فليأخذ هالوينه هذا وليذهب به إلى سوريا، فهناك «عيد الهَوْل» الحقيقي



شكر خاص إلى الكاتبة الكويتية سعدية مفرح