22 Jul 2013

يوميات فنزويلية : وشدت الشقراء يدها !

كنت قد كتبت أمس عن الطقس اللطيف في كاراكاس والذي لا يشعر الإنسان فيه لا بعطش ولا بإرهاق. كانت الأيام الماضية أياماً غائمة وماطرة، ومنعشة بالفعل. مناسبة جداً للصيام. لكني وكأني حسدت نفسي بما كتبت فجاء اليوم مختلفاً

كان عندي قضاء معاملات رسمية في البلدية. تركت سيارتي في مرآب المكتب (الآمن والمحروس) وقررت أن أستقل سيارة أجرة كي أتفادى عناء البحث عن مكان أترك فيه سيارتي هناك، وهو أمر قد يتطلب مني بعض الوقت كي أجد مكاناً، ووقتاً أطول كي أجد مكاناً آمناً

تاكسي تاكسي ، صرخت وأنا أمشي من المبنى نحو الشارع

لاحظت فوراً أنه ليس سيارة أجرة رسمية. بمعنى أنه فقط شخص عنده
 سيارة ووضع ملصقة على الزجاج الأمامي للسيارة كتب عليها كلمة تاكسي، ووضع علامة بلاستيكية صغيرة بيضاء اللون فوق سقف السيارة مكتوب عليها تاكسي. لكنه غير مرخص ولا يعمل لدى أي من خطوط التاكسي المعتمدة في المدينة. وبالتالي ليس هناك سعر ثابت عنده، علماً بأنه لا يوجد عداد هنا في سيارات الأجرة

اقتربت من شباك الراكب على يمين السائق وقلت له العنوان
فقال : ماشي
فقلت : كم؟
قال : ٨٠ بوليفار
قلت : غالي جداً ، لا أستطيع
قال : حسناً ادفعي ٧٠ بوليفار

في بلد يعتبر وقود السيارات فيه تقريباً مجانياً، ينبغي أن تكون سيارات الأجرة رخيصة جداً. لكنها ليست كذلك بسبب التضخم المستمر في كل شيء. رحلتي مع التاكسي كانت مسافتها تقريباً ٣ كم وكلفت حسب سعر الصرف الرسمي ١١ دولاراً أمريكياً، وهو مبلغ معتبر بالنسبة للفنزويليين ذوي الدخل المتدني أو المتوسط، خاصة إن قارنا السعر بسعر المواصلات العامة التي قد تكلف ٥ بوليفار بالحافلة، وأقل بالمترو. لكن المترو لا يصل إلى كل نواحي المدينة

كانت البلدية مليئة بالمراجعين، كل يصطف في طابوره. تمنيت أن يصادفني حظ جيد كما في المرة الماضية عندما أنهيت ورقتي في أقل من ربع ساعة. ليتها تكرر تلك المعجزة في كل مرة! مررت من أمام صالة  الزواج (المدني طبعاً). كانت هناك أسرة تلتقط صورة سعيدة، ملؤها الضحكات. دائماً تستوقفني تلك المشاهدة وسط زحام المعاملات الرسمية، خاصة أن كثيرين مثلي يتفاعلون مع الحدث وقد يصفقون ويهللون للعروسين

زواج مدني التقطت صورته في زيارة سابقة للبلدية قبل أيام
كانت الوثيقة التي سأوقع عليها في البلدية مليئة بمعلومات غير دقيقة. رفضت الموظفة تصحيحها على أساس أنها موجودة هكذا في السجلات. دخلت في جدل طويل انتهى بإرسالي إلى جهة رسمية أخرى على بعد شارعين أو ثلاثة. مشيت بسرعة كي أنتهي بسرعة .. وعندها انتبهت إلى الحر


لبن للبيع Se vende Yogurt
لفتت نظري سيدة تمشي في الشارع وتجر وراءها عربة صغيرة مكتوب عليها "لبن للبيع" (وهنا أقصد باللبن ما يدعى في مصر بالزبادي، وليس الحليب). توقفت عندها. كانت سمراء البشرة تنطق أصولها الإفريقية في وجهها جمالاً. سألتها عما تبيع، فقالت إنه لبن مثلج تصنعه في المنزل بيدها، وتطعِّمه بفواكه: فراولة، مانغا، مشمش، الخ

ومن باب الفضول سألتُ:  كم تكلف الكاسة الواحدة؟
أجابتْ بسرعة : ١٠ بوليفارات.. هل تريدين، مامي؟ 

مامي هي كلمة للتتحبب بالعامية الفنزويلية، مستخرجة من كلمة ماما، وتستخدم عادة لمخاطبة النساء، وعادة يستخدمها عامة الشعب

ترددتُ : هل ستذوب بسرعة؟؟ هل يمكن أن آكلها لاحقاً؟

قلبتْ حقيبة ظهرها بمهارة وأخرجت من إحدى جيوبها دون أن تنظر كيساً بلاستيكياً صغيراً وملعقة بلاستيكية، وقالت: اختاري

كل حرف يرمز إلى أول حرف من اسم الفاكهة

أُحرجت منها. فاشتريت كاسة بطعم المشمش، واستأذنتها بالتصوير

سألتُها بعفوية: هل تبيعين الكثير؟
فقالت وهي تهم بالانصراف لإكمال مسيرها: أبيع ١٥ كاسة في اليوم تقريباً، يعني حسب التوفيق. أشرف لي من المكوث بلا عمل. وأنا أحب إعداد اللبن 

حسبتها في رأسي: ١٥ كاسة يعني ١٥٠ بوليفار في اليوم الواحد. أي ما يعادل ٢٤ دولاراً تقريباً على سعر الصرف الرسمي، لكن ٥ دولارات فقط على سعر السوق السوداء الذي تحسب على أساسه المواد المستوردة، أي أغلب البضائع هنا

شكرتها لأنها سمحت لي بالتصوير وتمنيت لها حظاً موفقاً. هي تأتي كل يوم هنا من الطرف الآخر من المدينة، من مدينة صفيح قرب القصر الرئاسي، اسمها كاتيا

انتبهت حولي إلى كمية الأشخاص - السمر - الذين يبيعون في الشوارع مثلها: الماء، المثلجات، الحلويات، كل شيء تقريباً. هو ما يعرف هنا بالاقتصاد غير الرسمي. كل هؤلاء ليست لديهم أي سجلات عمل في أي مكان

تاكسي تاكسي

بسرعة وجدت سيارة أجرة تعيدني إلى المكتب

أستمتع بالحديث بعفوية إلى الجميع هنا. قلت لسائق التاكسي: الدنيا حر اليوم أليس كذلك؟ أم أنا وحدي أشعر بذلك؟
فأجاب: حر بالفعل سينيورا.. لقد شد الأشقر يده، كما يقال عندنا محلياً

لم أسمع بهذه المقولة من قبل، وهو استخدم كلمة فنزويلية بحتة (أشقر) تعلمتها هنا، تختلف عن كلمة أشقر بالاسبانية في اسبانيا أو بلدان أخرى في القارة
Apretó el catire

 سألته: ومن يكون الأشقر يا ترى، سينيور؟

فأجاب بابتسامة وسرور كمن يحلو له الشرح وهو ينظر إلي عبر المرآة: بعد أيام من المطر الذي يغسل كل الغبار وكل الشوائب من الجو، يجد الأشقر فرصة ليشد يده علينا لأن المجال مفتوح أمامه.. أفهمتِ؟

وصار يضحك 

أدركت حينها أن الشمس هي المقصود بـ"الأشقر"، طبعاً .. فهي اسم مذكر بالاسبانية 
عادت الزرقة إلى السماء، وعاد إلي الجبل من السحب، وجاءنا الحر

تلك الشقراء شدت يدها علينا بالفعل، فقد وصلتُ المكتب عطشى جداً، وبيدي اللبن المثلج وقد بات أقرب إلى اللبن السائل. لكني أدرك أنها مهما شدت يدها في كاراكاس فلن تشدها كما تشدها عليكم، قراء الوطن العربي الساخن



اقرأ أيضاً
  يوميات فنزويلية : كم ساعة تصومون؟
يوميات فنزويلية : حدود الدنيا



5 comments:

larbi moh said...

ولله ياديما انت رائعة ودقيقة الوصف لكل ما هو حولك لاتكادي تغادري كبيرة او صغيرة شكرا استمتعت برحلتك المتعبة ............. العربي ايمن

Dima Khatib said...

شكراً لك .. يعطيك الصحة كيما تقولوا بالدزايرية :) أعتز بكونك قارئاً لليوميات

Abdou Mehria said...

ماشاء الله،إستمتعنا معاكي،كأننا كنا معاكي في هالمشوار.دمتي لنا حبيبتتي.

Wagdy Kamal said...

والله ماعارف أقولك إيه .. الموضوع إن الحياة بتمر معايا بمرحلة "لخبطة" شديدة على عدة مستويات عامة وشخصية .. لكن ها أنا ذا أستمتع جدا بعذوبة ورقة وصفك .. وخلطك الرائع بين الكلمة والصورة .. ربنا يوفقك وكل سنة وإنتي طيبة

naif qannas said...

وتتألق ديما..ولعلي أقول تألقت كاراكاس بعيون وقلم ديما
كم احب الانسياب في تدويناتك بقدر ما اعتب عليك لحظة انتهائها..ثم استدرك بأنك يستحيل ان تسردي لنا على مدار الساعة كبرنامج واقع حي.
سأظل ارتشف كلما امطرتي علينا بعض مشاهداتك الفنزويلية حتى تواتيني فرصة عمر بزيارة كاراكاس