20 Jul 2013

يوميات فنزويلية: حدود الدنيا


كاراكاس
السبت ٢٠ يوليو تموز ٢٠١٣
الطقس: غائم، بين ٢٢ و٢٥ درجة مئوية


الطريق إلى مملكة الغيم


بعد مطر أمس بقيت بداخلي تلك الأحاسيس التي يولدها جو كاراكاس الماطر فاستيقظت رومنسية المزاج، أسترق السمع إلى ريح تداعب الكون بحنان، وعلى بالي قصيدة قصيرة جداً للشاعر التشيلي بابلو نيرودا لم يمنعني وجود النجار والحداد - بضجيجهما - في المنزل من البحث عنها



Nace 

Yo aquí vine a los límites
en donde no hay que decir nada,
todo se aprende con tiempo y océano,
y volvía la luna, 
sus líneas plateadas
y cada vez se rompía la sombra
con un golpe de ola
y cada día en el balcón del mar
abre las alas, nace el fuego
y todo sigue azul como mañana

Pablo Neruda


أعرف القصيدة من عشر سنوات وهي موجودة لدي في مجموعة أشعار لبابلو نيرودا باللغتين الاسبانية والانكليزية. طبعاً نيرودا من تشيلي ولم يكتب - على حسب علمي - إلا بالاسبانية. المجموعة تعرض كل قصيدة ومقابلها ترجمة إلى الانكليزية، ومقابلها لوحة تشكيلية رسمت خصيصاً للقصيدة. الجميل في المجموعة أنه تم اختيار قصائد معينة لنيرودا تتحدث كلها عن البحر. لطالما تساءلت بحسرة لم لا ننشر الأشعار العربية كما تنشر أمريكا اللاتينية أشعارها في كتب أنيقة فنية، فائقة الجمال، تليق بالنصوص البديعة. في معارض الكتاب التي زرتها في الخليج مؤخراً كنت أجد المجموعات الشعرية العربية في كتب نحيلة صغيرة بورق بخس. ما زالت تطن في أذني جملة قالها لي ناشر في معرض الشارقة: إيه ما حدا بيشتري شعر، نشر الشعر بس مشان الأنا تبع الشاعر
!!

ما علينا 

إليكم ترجمة القصيدة كما وردت في الكتاب


ُتُولَد


 ها أنا أتيتُ إلى حدودِ الدنيا
حيث لا شيئاً يحتاج أن يُقال
كلُ شيء يُتَعلَّمُ عبر الزمن والمحيط
ويعود القمر
خطوطه فضية
وفي كل مرة ينكسر الظل
بضربة موجة
وكل يوم على شرفة البحر
يفتح الأجنحة، تولد النار
فيبقى كل شيء أزرق كما في الصباح

بابلو نيرودا


أعشق فكرة "حدود الدنيا". أمريكا اللاتينية تشعرك بالفعل بأنك وصلت حدود الدنيا. كنت أتخيلها حدود الدنيا قبل أن أصلها. شعرت بنفس الشيء عندما زرت نيوزيلاندا، هناك في جنوب الجنوب، حيث تشعر بأن العالم يصل إلى نهاية هي البداية. وأظن أن الشيء نفسه شعر به من أطلقوا اسم "نهاية الأرض" على أبعد نقطة غرباً في اسبانيا وبالتحديد في غاليثيا، وهي 
Finisterre
فقد ظنوا حينها أنه لا يوجد أي شيء بعد البحر .. حتى وصلوا أمريكا واكتشفوا أن ثمة طرفاً آخر للمحيط الأطلسي، حيث أنا الآن، حيث "نهاية الأرض". لكن الاسم بقي هناك حتى اليوم

مع كل هطول مطر أشعر بأن الدنيا تبدأ من جديد، مغسولة الروح والبدن. تماماً كزرقة الصباح عندما يعطينا فرصة جديدة ممثلة بيوم جديد، كي نحقق ما نريد، أو نعيش ما نريد، أو نرى من نحب، أو أن نحب

كاراكاس ليست مدينة ساحلية. أنا لا أعيش قرب البحر هنا، بل يفصل بيني وبين بحر الكاريبي جبل ضخم أراه كل يوم من منزلي ومن المكتب ومن شوارع المدينة. البحر يبعد عن المدينة ما يقارب ٤٥ دقيقة فقط. أنا أقطن إذاً بجوار الجبل، وهو المرسال بيني وبين البحر. لدي شرفة الجبل التي تطل على شرفة البحر، وأشعر بالفعل بوجود شرفة البحر، هناك، وبولادة تلك النار وراء الجبل وصعودها شيئاً فشيئاً كل فجر وسط جوقة العصافير

كم أشعر أنني وقفت مع نيرودا في نفس البقعة، في نفس اللحظة، ربما في تشيلي نفسها 

لاحظوا أن ترجمتي العربية للقصيدة - من الاسبانية مباشرة - قد تختلف في بعض الأشياء عن الترجمة الانكليزية. قد أتفق أو لا أتفق مع التعديلات التي أجريت على الكلمات بالانكليزية، فبعضها بالفعل يناسب اللغة الانكليزية ويعطي المعنى بعداً آخر وربما يجعله أقرب إلى الصورة التي يريد رسمها الشاعر، لكنها لا تناسب بالضرورة اللغة العربية. ومن هنا حرصي دائماً، في النصوص الأدبية بشكل خاص، على ألا تصلنا الترجمة العربية عبر لغة ثالثة، مع ملاحظة استحالة نقل بعض الصيغ أو الأفكار بشكل مخلص وأمين. كم صدق من قال  بالإيطالية: المترجم خائن
Traduttore, traditore 

أرجو أن تكون القصيدة قد أعجبتكم

هل أنتمي إلى عالم السماء أم إلى عالم الأرض؟ لا حدود للدنيا 


3 comments:

ahmedoff said...

تُولدُ؟

في غمار الموج وحدي ها هنا
وسْط أمواج المحيط
طافيا دون شراع أو سفينة
غادرتني كل أنوار المدينة
إنما الدنيا ورائي بالتمام
حيث لا معنى تماما للكلام
كل شيء فعساه يُتَعَلَّم
من زمان فيه أنواع العلوم
فيه فرح فيه قرح فيه أنواع الهموم
فيه ملهاة لطفل فيه مأساة السنين
ومحيطٍ من رؤاه أتعلم.
عندما عاد القمر
بشعاع وشعاع وشعاع كاللجين
هازما كل الظلام
كاسرا كل الغيوم
موج بحري كالسيوف الحق شما
موجة منه تجيء
مثل فارس
بيديه كل ألوان الفنون
فتزيح الليل عني من جديد
كل يوم شرفة البحر تغني لحن عيد
وجناح البحر تعطييني جناحا كي أطير
هاهي الشمس تعود
بين نار بين نور
وسمائي تتنور
زرقة اليوم الجديد
بابلو نيرودا
ترجمة :أ.ديمة الخطيب
و
د. أحمد شوقي العجمي

Dima Khatib said...

قصيدة جديدة من بذرة قصيدة نيرودا. جميلة

Abdou Mehria said...

جميل متولد أو بالأحرى ناجم من من شئ أجمل! دمتي....