25 Nov 2012

مغامرات في الإمارات : أوبرا شهاب



هل ترافقينا إلى الأوبرا؟
أوبرا في أي بلد؟
هنا في أبو ظبي

فوراً قلت نعم. لم أكن أتصور أن هناك أوبرا في أبو ظبي

كانت ثاني زيارة لي إلى قصر الإمارات، أكبر فندق في الإمارات. لا يبدو بالتأكيد من بعيد كفندق، بل كقصر، كما يدل اسمه. وكل شيء فيه مرصع بالذهب أو مطلي بماء الذهب الذي يلمع من كل حدب وصوب وتنعكس لمعته على الرخام الذي يلمع هو الآخر. يخيل للإنسان فعلاً أن كل شيء في المكان أبيض وأصفر

داخل القصر هناك آلة تصرف سبائك من الذهب الصرف. ما عليك سوى استخدام بطاقتك المصرفية واختيار حجم وسعر السبيكة التي تريد. أسعارها تتفاوت بين ١٠٠ و٤٠٠ دولار تقريباً. هل هناك فعلاً من يستخدمها لشراء سبائك الذهب؟ لا بد أن أحداً يستخدمها وإلا لما كانت موجودة

كل شيء في قصر الإمارات كبير وواسع وممتد. تمشي وتشعر بأنك في مكان لا نهاية له، أكبر من وجودك بكثير

البهو الذي يوصلك إلى القاعة حيث حفل الأوبرا كان متروساً على اليمين واليسار بشجر النخيل، كل شجرة موضوعة في حوض كبير فيه تراب. بدا لي أنه نخيل حقيقي، وأظن أنه فعلاً حقيقي. كانت أول مرة أرى فيها نخيلاً داخل قاعة مغلقة

أثناء دخول قاعة حفل الأوبرا يرى الإنسان من الوجوه ما يكفي لتغطية خارطة العالم. ويسمع لغات من شتى أنحاء العالم. سمعت الهولندية والإيطالية والفرنسية والانكليزية بعدة لكنات من عدة بلدان ناطقة بالانكليزية وبلكنات أجنبية. لكني صراحة لم أسمع العربية مع أنني لمحت العروبة في بعض السماه

مع أنه لم يمض على إقامتي في أبو ظبي سوى وقت قصير إلا أنني صادفت أشخاصاً أعرفهم. الكل يقول إن أبو ظبي تبقى صغيرة، تلقى فيها من تعرفهم في كل مكان

كان غريباً علي بعد أن عرفت الأوبرا في مسقط رأسها، أوروبا، أن أرى الناس
يرتدون ملابس تفاوتت بين ملابس السهرة وملابس تناسب رحلة سفاري، لكني لم أمانع. فأنا لم أكن يوماً أشعر بارتياح لتكلف الناس وأدائهم أدواراً في تمثيلية الأناقة والرقي من خلال ملابسهم الفخمة في ليلة موسيقية، وكأن لباسهم يعني أنهم مثقفون ويفقهون في الموسيقى

كان هناك برود عجيب في الصالة، ربما لأنها كبيرة، عالية السقف، تلمع، ولم يكن حتى ثلثها ممتلئاً بالحضور، مع أن أصدقاء لي اتصلوا أمامي بقصر الإمارات وطلبوا شراء تذاكر الحضور الحفل وقيل لهم إنها قد بيعت كلها من زمن. أين أصحاب التذاكر؟ فعلاً مؤسف أن يأتي كل هؤلاء الفنانين من إيطاليا ولا يأتي الحضور

عادة ما يقرأ الإنسان نص قصة الأوبرا في كتيب يوزع على الحاضرين كي يفهم أحداث الأوبرا لأنها تغنى بالإيطالية بشكل لا يسمح بفهم كل الكلمات حتى لمن يتحدث الإيطالية. قرأت نص أوبرا ريغوليتو لفيردي مرتين، لكني لم أفهمه قراءة، فهل أفهمه شفاهية؟ تذكرت المرات التي تظاهرت فيها بأني أفهم الأوبرا التي أحضرها في أوروبا

الستائر تفتح ببطء شديد، ويحل صمت طويل، ونحن ننتظر انطلاق العرض. كنت أرغب في تبادل أطراف الحديث لكسر الصمت، لأنه أزعجني، لكني احترمت الانتظار البارد. طبعاً فيما بعد أدركت أن من بين الحضور من لا يحترم لا الصمت ولا الغناء لأن بعض الهواتف رنت، أثناء العرض الغنائي، والأفظع من ترك الهاتف النقال مفتوحاً في الأوبرا هو الرد على الاتصال

العرض لم يبهرني ككل ربما لأنه كان أوبرا في حفلة موسيقية
Opera in concierto
وليس مسرحية أوبرا كما أعرفها كلاسيكياً، بمعنى أن الموسيقيين كانوا يتوسطون خشبة المسرح وكانت الأهمية الأكبر لهم، بينما كانت هناك فقط أريكتان وطاولة لتمثيل المشاهد بين الممثلين على طرف من المسرح. وكان الممثلون، أي مغنو الأوبرا، أشخاصاً رشيقين، بعكس ما يتصور الإنسان في الأوبرا من نساء مكتنزات الصدور والأجساد ورجال لهم حضور جسدي بقوة حضور أصواتهم. لعلها صورة تقليلدية ونمطية لكنها صورة الأوبرا المنطبعة في ذهني. لم تكن الجودة الصوتية للقاعة مريحة جداً فكنت أسمع صدى الغناء يتردد في أرجائها، وتساءلت أحياناً كيف لجسد تلك المغنية النحيلة أن يخرج بأصوات ضخمة أكبر منها بكثير؟

كان المقهى الموجود وسط البهو الرئيسي لقصر الإمارات أفضل ملاذ من عرض الأوبرا. شهاب بدا لي نادلاً وسيماً، ابتسامته ساحرة على بشرة سمراء. من أين أنت؟ من بنغلادش، أجابني بخجل. استمتعت بسؤال شهاب عن قصة حياته. لقد ترك بلاده كي يعمل في الإمارت ويعيل أسرته لأن والده مريض ولم يعد لديهم دخل، وهو يرسل من الإمارات يغطي تكاليف دراسة أخته الجامعية التي لم يستطع دفعها لنفسه لأنه اضطر للبحث عن عمل فور إنهاء الثانوية. عندما وصل الإمارات لم يكن يتحدث الانكليزية، والآن بعد عدة سنوات وبلا دروس - كما يدعي - تعلم الانكليزية والهندية من خلال اختلاطه مع الناس. كان الحديث مع هذا الإنسان البسيط أكثر ما أعجبني في تلك السهرة، يدفئ قلبك وسط برود القاعات المزخرفة، ويشعرك بما يقبع في ثنايا ذلك الرخام الناصع البياض وذلك الذهب البراق، وتعود بك الحياة إلى أصل تلك الحكايات التي تستوحى منها قصص تتحول إلى أوبرا تقرأ في كتيب أنيق قبيل حفل موسيقي

أوبرا شهاب كانت عندي الليلة أحلى من أوبرا فيردي، وليسامحني الإيطاليون

-----

ملاحظة : سأضع الصور لاحقاً عندما تسنح الفرصة، فأنا حالياً في القاهرة ، حبيبتي ، ومشغولة بها


اقرأ مغامرتي الأولى في الإمارات : دبي - أبو ظبي

1 comment:

QASEM SARTAWI said...

مغامرة لطيفة