25 Aug 2012

ماما ، شو يعني ؟


ماما ، شو يعني نخوة ؟ 
ما يهمك حبيبي ، هي الكلمة مش عربية ، انساها

ماما ، وشو يعني عجز ؟ 
حبيبي ، عجز يعني أنك تكون مواطن عربي

ماما ، وين فلسطين ؟ 
حبيبي ، في كتب التاريخ
ماما ، وين سوريا ؟ 
حبيبي ، في كتب الجغرافيا 

ماما ، وشو يعني جامعة عربية ؟ 
حبيبي ، ما بعرف، كأني سمعانة فيها .. وين سمعت هالاسم من قبل يا ربي؟

ماما ، طيب شو يعني الأمم المتحدة ؟ 
حبيبي ، من وين بتجيب الكلام؟ هادا اختراع من شي أسطورة قديمة مدري بأي كوكب ، بس مو عنا

ماما ، وشو يعني الوحدة العربية ؟ 
حبيبي ، يعني أنك تكون وحيــــــــد

ماما ، وشو يعني 
حبيبي ، خلص أسئلة 
ماما ، والله آخر سؤال. مهم جداً 
تفضل .. بس آخر سؤال 
ماما ، شو يعني الثورة؟ 
همممم ... حسب يا حبيبي .. شوف ، يعتمد مثلاً إن كان عندك بترول أو أهمية جيوستراتيجية أو قاعدة أمريكية أو جارتك السعودية أو جارتك اسرائيل.. بس بشكل عام كتير، الثورة معناها الشعب يطالب بحقوقه، فتختار القوى العظمى الشريرة كبش فداء تضحي فيه، مثل الديكتاتور وهيك ناس، بس حتى يسكت الشعب ، ويرجع ينام.. وبس 

يلا حبيبي ، روح نام

24 Aug 2012

قمريات - هلال العيد



باغتني بين مركز سان إيغناسيو التجاري ومبنى الضرائب، حيث لم أتوقعه إطلاقاً. كيف عرف أني سأكون الليلة هنا؟ 

وسط زرقة سماء داكنة، متلبدة بغيوم هشة، بدا لي القمرُ ناصعَ البياض، يقضي الليلة مع سحبٍ تتلونُ بألوانِ مزاجه المتقلب

فاجأني بالفعل .. كم كبر هلال العيد بسرعة.. ورمضان بالكاد انتهى




قبيل العيد كان آخر لقاء لنا. كان نحيلاً جداً. سألته: مالك؟ كانت صحتك أفضل بكثير قبل أيام. فأجابني: لا تقلقي، إنها الشمس، تحجبني عنك تدريجياً كما حجبت اسرائيل فلسطين تدريجياً. لكني سأعود مكتملاً كما ستعود فلسطين لك مكتملة

وقبل أن تختطفه السحب مني، على حين غرة، في مهمة سماوية لا أعرف طبيعتها ولا أفهمها، همس لي: سأبحث عنك في القدس.. وفي دمشق


كاراكاس في ٢٣ أغسطس آب ٢٠١٢

عصافير المطر


برق برق برق
 رعد رعد رعد
مطر مطر مطر
 هبت العاصفة من جديد في كاراكاس
 مدارية.. دافئة.. لكنها صارخة

 يختفي الجبل في مملكة السحاب 
وتستحم المدينة في طقوس كاريبية 
يصيبها نسيم لطيف بقشعريرة طفيفة 
بانتظار لمسات شمس دافئة

يشتد البكاء، ثم يخفت صوته
 يشتد ثم يخفت، حتى يثبت
 وتسترخي الأريكة عند الشباك على وقع الأغنية السماوية
تستمر وتستمر على نفس الوتيرة 




وفجأة يثور النسيم، ينقلب رياحاً عاتية تراقص الأشجارَ في لوحة جميلة
هل هي سالسا؟ ميرنغيه؟ ريغيتون؟ كومبيا؟ بالتأكيد ليست تانغو
إنها رقصة لم يضع لها البشر اسماً بعد
عشوائية، مجنونة، دافئة، عذبة.. تماماً كالمطر
 ألا تشبه رقصة الحب بين البشر؟

انتهى الحمام المداري
وخرجت العصافير من بين الأغصان المبتلة 
تنفض أجنحتها بفرح لا يخلو من آثار حزن عميق
وشيئاً فشيئاً تعود لتزقزق وسط بقايا زخات المطر
يا ترى، لم تسكت العصافير أثناء المطر؟


كاراكاس ٢٤ أغسطس آب ٢٠١٢


ملاحظة : صوت المطر المرفق سجلته من شباكي 

Entrevista Catalunya Radio, sobre Siria

7 julio 2012 
desde España



12 Aug 2012

قمريات - نصف قمر



على كفتيّ جلس القمر
ًيتأرجحُ يميناً ويسارا
ْيبحثُ عن توازنهِ المعهود
ْنصفُه معي، ونصفُه الآخرُ مفقود
أكادُ أجزمُ أنه بحوزةِ امرأةٍ أخرى

أيُّ سكين تلك التي بترت أعلى القمر؟
حادةٌ لا تخطئ ولا ترتعش
قطعَتْهُ في خط مستقيم كالمسطرة
إلى شطرين متوازيين
كأنهما توأم للتو فـُصلا
بعد أن كانا متلاصقين
عمراً بطوله
في جسد واحد
في قمر واحد

همس لي: أعيديني إلى السماء
خفتُ عليه
خشيتُ على توازنه
بعد أن اعتاد على أرجوحة بشرية
خشيت أن ينقلبَ رأساً على بطن

ِطلبتُ مساعدة من غيمتين
كانتا ناصعتي البياض
ِجميلتين
تغلبتُ على الغيرة
وسلمته إلى نسمة رقيقة
فوضعَتْهُ برفق
في المنتصف بين الحارستينِ
ِتساندانه كمخدتين
على أريكة سماوية عتيقة

إلى اليمين مالَ تارة
إلى اليسار تأرجحَ تارة
وهناك بقي، كأنه معلق
ْبخيوط لا مرئية
ْبدا لي في ميلته اليسارية
أجمل مما كان في راحتيّ
ْطيلة نصفِ ليلة
تليق بنصف قمر
لجأ إلى عشيقة
بين مطر ومطر


-----

كاراكاس ليلة ما بين ٨ و٩ آب أغسطس ٢٠١٢


11 Aug 2012

Mi media luna


Este texto fue escrito originalmente en árabe, como parte de una colección de poemas de luna. Intenté traducirlo con libertad al español. No suena como el original, pero hice el esfuerzo. Bienvenidas sus sugerencias para mejorar esta versión española. Gracias


En mis palmas encontró su columpio
Hacia la derecha
Hacia la izquierda
La luna iba de lado a lado
Buscando su equilibrio perdido

Una mitad estaba conmigo
La otra mitad desaparecida
Temo que me haya robado
Alguna otra mujer en el mundo
La mitad de mi luna

Qué tipo de cuchillo fue
Con el cual cortaron la luna
Un cuchillo que no falla, no tiembla
La cortó por arriba
En una línea recta
Perfecta 
Como una regla de medida

Qué tipo de cuchillo fue
Con el cual cortaron la luna
En dos mitades idénticas
Como si fueran gemelas
Recién separadas
Tras una vida entera
En un solo cuerpo
En una sola luna

Me susurró: devuélveme al cielo
Temí por su equilibrio
Ya que estaba acostumbrada
A su nueva postura 
En manos enamoradas

Busqué dos nubes, hermosas
Blancas como la espuma del mar
Superé los celos
Y entregué la luna
A una brisa simpática
Que la colocó con cuidado
Exactamente en el medio
Entre sus dos nubes-guardianas
Como si fueran dos almohadas
En un sofá realmente divino

Se inclinó a la derecha
Y luego a la izquierda
Tras un rato, ahí se quedó
Sin moverse mas

Ligeramente inclinada hacia la izquierda
Me pareció aún mas bella 
Que cuando estaba
Muy cerca de mi
Pasamos una media noche mágica
Digna de una media luna
Que se escapó con una amante
Entre lluvia y lluvia 

---

Caracas en la noche entre 8 y 9 de agosto 2012






La foto es de aquí  



6 Aug 2012

قمريات - بلا قدم



ُخرجتُ لأرقصَ معه
ارتديتُ أجملَ أثوابي
ولبستُ حذائي

ْوقفتُ عند تلك الشجرة
ْحيثُ موعدنا في كل مرة
انتظرتُ.. وناديتُ بحسرة

لا حياة لمن تنادي
لا وجه لمن تحاكي

ْالسماء وردية رمادية
ْاحتلتها السحب
كي تخبئه مني
كي تبعده عني

ْتركتُ حذائي وفيه قدمان
ْكي ترقصا مع من تشاءان
لا حاجة لي بهما
ُفأنا لا أرقص
ْسوى مع قمر

ْالسحبُ اختطفتِ السماء
ْواختطفتِ القمر
واختطفتْ رقصةَ تانغو
ْمن فتاة أضحتْ بلا حذاء
ْوبلا قدم
ْلحين عودة القمر





4 Aug 2012

سمفونية المطر كاراكاس - دمشق


تبكي السماءُ في كاراكاس 
وكأنها تبكي للمرةِ الأولى 
ْعلى فقدانِ حبها الأول
بحرقة
ْتتدفقُ الدموعُ على وجنتي المدينة
شلالات
تختفي وراءَها ملامُحها وتقاطيعُها
ْفتتحولُ إلى لوحةٍ انطباعية

تبكي السماءُ في كاراكاس 
ْتنهمرُ الأمطارُ على الرؤوس
ْوكأن كلَّ صماماتِ السماواتِ قد فـُتحت
ْوتـُركتْ منسية
.. يا الله، كمْ هناكَ ماء في الدنيا

تبكي السماءُ في كاراكاس
ْفتعلو سمفونيةُ المطر 
ْولا تنخفضُ إلا كي تعلوَ من جديد
كريشيندو كريشيندو
ْلا يتخللُها سوى رعدٍ يأتي من بعيد
ْينذرُ بالمزيد
لقد ابتلعَ غناءُ المطرِ كلَّ أصواتِ المدينة

تبكي السماءُ في كاراكاس
ْسمفونيةُ المطرِ أصبحتِ الآنَ خجولة
ديمينويندو ديمينويندو 
ْبالكادِ تصلُ المسامعَ من بعيد
ْخفتْ زخاتُ المطر
ْلكنَّ ضوضاءَ المدينة لم يعد 
بل يسودُ بين قطرةٍ وقطرة
ْصمتٌ سماويُ عجيب

تبكي السماءُ في كاراكاس
ْوفجأةً بعدَ ساعاتٍ من مطرٍ غزير
ْتتراءى المباني والشوارعُ بحلتها الجديدة
ْكأنها خرجتْ للتو من حمامِ السوق
ْصبيَّةً نظرتُها بريئة
ْبشرتُها نضيرةْ ملمسُها حرير

تبكي السماءُ في كاراكاس
وعندما ينتهي النحيب
تنبعث الحياة
ْويدغدغ الأنوفَ عبقُ أرضٍ رضيعة
ْكعطرٍ رباني 
ْيرد الروحَ بعد فضفضةٍ سماوية

تبكي السماءُ في كاراكاس
لكنها في دمشقَ صامتةٌ مرعوبة
زخاتُ المطر : قذائف 
اللوحةُ الانطباعيةُ : دخانٌ أسود
الرعدُ : انفجاراتٌ وطلقاتُ نار
السمفونيةُ : صراخُ الأطفال
العبقُ : رائحةُ الموت
الماءُ : دماءٌ تسيلُ في الطرقات
حمامُ السوقِ مغلق
ليس هناك من يغسلُ الهموم 
يبكي الناس في دمشق 
فتدمع السماء
في.. كاراكاس 


28 Jul 2012

La guerra electrónica en las revuletas árabes




26 Jul 2012

بقـايـا وطـن



الوطنُ هو أحياناً تلكَ الياسمينة
التي يبقى عبقها معك
أينما ذهبت، يرافقك
لا شيء في العالم كله يشبهها
لا شجرة تضاهي جمالها
ولا امرأة تنافس فتنتها

هي من كانت تنتظرك كل ليلة
عند مدخل ذلك المبنى
حيث خلفت نساءٌ الموعدَ معك
فكانت هي تارةً رفيقةَ صمتِك
وتارة أخرى هديةً عفوية لحبيبتِك
تملأ بأوراقها الكفين
فيصبحان أنصع من بياض العينين

الوطن هو أحيانا تلك الأغنية
التي لا يعرفها سوى من ترعرعوا معك
قد لا تكون أغنية جميلة
لكنك لن تنساها مهما حييت
ومهما تعلمت من أغان غيرها
تقبع دائماً في زاوية من زوايا ذاكرتك
لتعود بك إلى ركن من أركان طفولتك

الوطن هو أحياناً ذلك الزقاق
حيث كنتَ تتوقف كل صباح
لتشتري منقوشة زعتر ساخنة
في طريقك الى المدرسة

الوطن هو أحياناً تلك الوجوه
التي كنتَ تراها كل يوم
ذهاباً وإياباً
وكنتَ تظن أنها دائماً ستكون 


تعود وقدماك تمشيان وحدهما نحو الزقاق
تعود ولسانك يتوق لحبات الزعتر
تعود وعيناك تبحثان عن تلك الوجوه

لا زقاق ولا زعتر
لا وجوه ولا نظرات

لا تجد سوى أشباح 
فقد دمر من دمر ما تعرفه من الوطن

الأغنية تدندن بين أذنيك
وأنفك يبحث عن عبق الياسمين
تشتاق لفرك أوراقه بين يديك

لكن أهل المبنى رحلوا
وما عاد هناك مدخل

وقفتَ تبكي
عند مقبرة الياسمين
حيث رائحة الموت
ركعتَ على الأرض
تنبش بيديك بقايا وطن

 

خالد الجهني .. ابتسامة الحرية ، ونظرة الأمل


تأملتُ صورته كثيراً .. لقد كبر خالد في أيامه الخمسمئة ونيف في السجن.. كبر أكثر من عدد تلك الأيام .. لكن، أليست ابتسامته أشرق ابتسامة في الدنيا؟ الأمل في عينيه براق، لم يخفت رغم الاعتقال



خالد الجهني هو صاحب مقولة : الشعب يريد دخول السجون ..  وُصف بأنه "أشجع رجل في السعودية" لأنه بكل بساطة خرج إلى الشارع وطالب بالحرية والكرامة، وهو يدرك أن السجن سيكون بانتظاره. كان ذلك في ١١ مارس ٢٠١١ وقد اختفى فترة، لم نكن نعرف أين هو. وكنا نتساءل كلنا: أين خالد؟

تبين فيما بعد أنه في سجن الحائر للسجناء السياسيين، ونـُقلت أخبار من أخيه عن تعرضه للتعذيب، وأخيراً، بعد أن كان معتقلاً تعسفياً، خضع للمحاكمة


وبعد المحاكمة تم تحويل خالد مؤخراً إلى مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة، وهو مركز إعادة تأهيل يُحال إليه السجين قبل الإفراج عنه، فيخضع لبرامج دينية وعلمية تهدف إلى "تغيير أفكاره". المركز يعرف بـ "الاستراحة" وعادة يمكث السجين هناك حتى صدور أمر الإفراج النهائي عنه

خالد خرج أمس الأربعاء ٢٦ تموز يوليو ٢٠١٢ (تاريخ الصورة في الأعلى) وظن الجميع أنه تم الإفراج عنه، لكن "إجت الحزينة لتفرح ما لقت لها مطرح"! تبين أنها زيارة استثنائية لمدة ٤٨ ساعة فقط لرؤية أسرته سيعود بعدها إلى "الاستراحة" على أمل الإفراج عنه بشكل نهائي قريباً... اللهم إلا إن تم التغاضي عن عودته إلى الاستراحة، بقدرة قادر، وهو أمر حصل مع بعض المعتقلين. هل نحلم بحرية خالد؟



تجدون قصة خالد كاملة في الفيديو المسجل قبيل اعتقاله 

لم أكن أعرف أن هناك أشخاصاً غير خالد اعتقلوا على خلفية "يوم الغضب السعودي" في مارس ٢٠١١ وهم مذكورون في هذا التقرير: محمد الودعاني، فاضل الشمري، أحمد عبدالعزيز، ثامر العنزي، بندر العتيبي

لم أستطع الحصول على معلومات عنهم. هل هم أحرار؟ هل هم في المعتقل؟ لكن ليتنا نرى ابتساماتهم ونظرة الأمل في عيونهم، هم أيضاً

24 Jul 2012

قبل زمن غير بعيد


قبل زمن غير بعيد كانت ما تعرف بـ "الانتخابات" العربية مهزلة من مهازل
الزمان، تـُعرف نتائـُجها قبل أعوام، ولعدة أعوام آتية. كانت عادة ما تأتي بنتيجة مماثلة لنتيجة "الانتخابات" السابقة، وأحياناً بنسبة تصل إلى ٩٩٪ أو أكثر لصالح المرشح الوحيد فيها. لكننا اليوم عرفنا طعماً آخر للانتخابات. عرفنا الآن ما معنى أن تكون هناك انتخابات - وأنا هنا لا أقول إن الانتخابات التي أجريت حتى الآن اتسمت بالكمال، أبداً، لكنها كانت انتخابات رغم عيوبها. لقد صارت الانتخابات الآن تبقينا على أعصابنا حتى اللحظة الأخيرة، ولا تبخل علينا بالمفاجآت. الانتخابات التونسية كانت التجربة الأولى، تابعناها كما لم نتابع أي انتخابات من قبل. ولن أنسى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية، كنتُ حينها في الأردن، وبينما كان من دعوني إلى الغداء يتناولونه، تركتهم لألتصق بشاشة التلفزيون كي أسمع نتائج الانتخابات الرسمية، وهم فعلوا الشيء ذاته بعد دقائق. وفي الجولة الثانية من الانتخابات المصرية شعرت بأن ملايين العرب كانوا جالسين أمام الشاشات مشدودي الأعصاب يتابعون فرز الأصوات صندوقاً صندوقاً، لحظة لحظة. كنتُ يومها في اسبانيا ولم ترَ مدريد وجهي لأني كنت مثل كل هؤلاء العرب، متجمدة أمام شاشة الكومبيوتر في الفندق، وسط توقعات بشتى الاحتمالات ونظريات مؤامرة لا تنتهي. ثم ما كان من الانتخابات الليبية إلا أن فاجأتنا بفوز الليبيراليين، أو بالأحرى بعدم فوز الإسلاميين. إنها تجارب جديدة علينا، أن نترقب ونقلق ونسهر ونتحمس ويخيب أملنا ونتفاجأ، بعد أن كان الجمود هو سيد الموقف في كل انتخاباتنا

قبل زمن غير بعيد كان السياسي العربي كائناً "معصوماً" عن الخطأ وعن الحساب. كان شخصاً بعيداً كل البعد عنا. كان في برجه العاجي محمياً من شظايانا وكنا لا نعرف معنى التعامل معه على أساس أنه موظف يعمل لخدمتنا كشعوب. والآن تحول السياسي إلى مخطئ حتى يثبت عكس ذلك، ولم يعد هناك برج يحميه من أصغر فرد في المجتمع، وتحول إلى متهم يُحاكم يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام وفي أحاديث الناس اليومية في الشارع وفي المنزل وفي مكان العمل. ونرى هذه الظاهرة الجديدة عندنا - العرب - ليس فقط في بلدان الثورات العربية وإنما في بلدان أخرى تأثرت بجو الثورات وإن لم تقم فيها ثورات. كانت مهنة السياسة من أكثر المهن تقديساً لمن يمارسها، لتتحول اليوم إلى أكثر المهن عرضة للنقد والسخرية والتهكم والشتيمة. فترى السياسيَ اليوم يتعرض لتشريح شعبي قاسٍ لا هوادة فيه ولا رحمة، قبل حتى أن يجلس على كرسي منصبه الجديد

قبل زمن غير بعيد كنا نخاف من خيالنا، كنا نخاف من صوتنا الذي قد يسمعه أحدهم، أو من قلمنا الذي قد يكلفنا رقبتنا. كنا نخاف من عواقب التفكير خارج الإطار المحدد لنا. والآن أصبح الرأي السياسي ووجهة النظر أمراً عادياً، وظهرت ألوان سياسية لم نكن نعرف عن وجودها. وأصبح النشطاء السياسيون أكثر من السياسيين، وأصبح قلم من يدون على الانترنت أو صوت من يبدي رأيه على برامج التلفاز أمراً عادياً بغض النظر عن رأيه

باختصار، قبل زمن غير بعيد كان المواطن غير موجود. كان المواطن شيئاً غير مرئي، صامتاً، لا وزن له ولا أثر لوجوده. كان بالفعل "حشرة" كما وصف أحد الطغاة شعبه الثائر. صار الآن موجوداً. وفي بلدان عربية معينة صار المواطن مواطناً يُحسب حسابٌ لتفكيره وردة فعله، وصار لصوته صدىً، وصار أحياناً هو من يقوم بالفعل لتأتي السلطات برد فعل

أنا لا أقول أننا حققنا المواطنة كما نريدها، أو أننا اقتربنا من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي نسعى إليها. كلا. لكن هناك حقاً أشياء ملموسة تغيرت في حياتنا اليومية، وأشياء جديدة دخلت حياتنا قد ننسى أحياناً في خضم تسارع الأحداث أن نلاحظها

أتطلع إذاً إلى أن أكتب قريباً: "قبل زمن غير بعيد" جديدة، عن تغييرات جديدة



18 Jul 2012

أحرف سبقتني إلى غزة




يوماً من الأيام فرتْ مني أحرفُ اسمي
استيقظتُ فلم أجدْها معي
قلقتُ عليها، ظننت أحداً سرقَها مني
حتى ظهرتْ على شواطئ غزة
تخيلوا أنها تتنزه وحدها

أحرفُ اسمي كسرتِ الحصار
أحرفُ اسمي تجاهلتْ حواجز النكبة
 أحرفُ اسمي عبرتِ الحدود
أحرفُ اسمي فعلتْها قبلَ جوازِ سفري

غارتْ من أحرفِ اسمي قدماي
تريدان ترك آثارَهما على رمالِ غزة
تريدانِ الركض على شواطئ غزة
كما ركضتا على شواطئ اللاذقية
كما تركضان على شواطئ الكاريبي

غارتْ من أحرف اسمي عيناي
وغارتْ من أحرف اسمي أذناي

وأكثر من غارتْ منها يداي
تحلمان بأن تفعلا على شواطئ غزة
ما كانتا تفعلان طوال سنين
على شواطئ اللاذقية
كانتا تكتبان كلمة : فلسطين
وترسمان خارطة فلسطين
مرة بعد مرة بعد مرة
تأتي الأمواجُ لتشويهِها أو طمسِها
فتعاودان كتابتَها ورسمَها

كنتُ مجرد طفلة تحلم فقط
بأن يبقى اسم فلسطينَ على الشاطئ 
كل يوم عند المغيب
تتدرب على المقاومة بطريقتها الطفولية

 كبرتْ الطفلة دون أن تتبدل أحلامها
وإذ بغزاوي جاء من حيث لا تعلم
اسمه ياسر عاشور
كتبَ اسمَها عفوياً على شواطئ فلسطين
بانتظار أن يكسرَ جوازُ سفرها
حواجزَ التاريخ و حواجزَ الجغرافيا
وتمشي على أرض فلسطين
حيث تنزهت أحرفُ اسمِها


شكراً ألف شكر يا ياسر على واحدة من أجمل الهدايا في الدنيا


خربشات مريبة حول تفجير مركز الأمن القومي في دمشق



الكل يتحدث عن نقلة نوعية في الأحداث في سورية بعد التفجير الذي أصاب مركز الأمن القومي بدمشق في السابعة والنصف من صباح الأربعاء الثامن عشر من تموز يوليو ٢٠١٢ والذي أودى بحياة أربعة من كبار المسؤولين السوريين، منهم آصف شوكت صهر الرئيس بشار الأسد، كانوا مجتمعين في ما يعرف بخلية الأزمة

هي فعلا نقلة نوعية لكن حتى الآن لا أحد يعرف بالضبط من نفذها. ورغم أن نتيجة النقلة النوعية تعني بالضرورة قرب نهاية النظام أو نهاية بشار الأسد على الأقل، فإن اتجاهها قد يختلف بحسب الأيادي التي تحرك خيوط الأمور في سورية

لست من أنصار نظريات المؤامرة لكن ثمة عناصر كثيرة تثير الشكوك في الأحداث وما تلاها من ردود فعل

سأطرح عدة تساؤلات أولاً

١- لِمَ كان تلفزيون المنار من أعلن عن وفاة آصف شوكت قبل التلفزيون السوري؟ وكيف حصل على معلومات حصرية عن التفجير وعن ضحاياه؟ ولم لم يسبق لتلفزيون المنار من قبل أن أورد أي أخبار حصرية مشابهة أثناء تفجيرات سابقة وقعت في دمشق؟

٢- لِمَ لَمْ يُعلن الحداد في سورية على ضحايا أرواح من فقدهم النظام في التفجير؟

٣- لِمَ لا توجد صورة واحدة لموقع التفجير؟ علما بأن التلفزيون السوري عادة ما يسارع إلى نشر صور التفجيرات ويعيد ويكرر عرضها بلا توقف ويلتقي المواطنين في محيط المكان، وعادة ما يقبض أيضاً على الفور على المنفذين وكثيرا ما يعترفون بالجريمة على التلفزيون السوري. حتى الآن نحن لا نعرف حتى حصيلة القتلى في عملية التفجير

٤- هناك تضارب في الشهادات حول التفجير من أشخاص لا علاقة لهم بالنظام ولا بالثورة. مثلا مراسلة الـ بي بي سي تقول إنها مرت من المكان ولم تر آثاراً لأي تفجير ولا حتى وجوداً أمنياً مكثفاً في الساعات التي تلت التفجير ولا حتى زجاجاً مكسراً في المنطقة. أما سكان المناطق المحيطة فقد وردني من أكثر من شخص قوله إنه لم يسمع أي انفجار في الصباح. بينما وردني من شخص واحد موجود في الجسر الأبيض، أي في مكان قريب من الروضة، أنه سمع شيئاً لكنه ليس متأكداً ما كان. وفي الوقت نفسه نُقل عن نشطاء أن الحرس الجمهوري طوق مستشفى الشامي القريب بعد وصول سيارات إسعاف تحمل جرحى من مكان الانفجار

ليست لدي إجابات ، لكن الاحتمالات والتفسيرات كثيرة

١- الاحتمال الأول : النظام يتخبط

بمعنى أن النظام فوجئ حقاً بالتفجير، ولهذا السبب لم يتصرف كما يتصرف عادة في أعقاب التفجيرات، ولم ينشر ما ينشره عادة من مواد فلمية أو لقاءات. وهناك من يعتبر هذا التغيير في ردة فعل النظام الإعلامية دليلاً على أن التفجيرات السابقة كانت من تدبير النظام نفسه 

إذا كان النظام فعلاً يتخبط فمعنى ذلك أنه يمكن فعلاً أن يكون الجيش السوري الحر هو من نفذ العملية ودبرها كما يدعي باستخدام شخص - على ما يبدو مدني، ويقال إنه حاجب العميد بختيار - من داخل الدائرة الصغيرة المغلقة لخلية الأزمة. العميد مصطفى الشيخ رئيس المجلس الاعلى للجيش السوري الحر أكد هذه الفرضية من مكان تواجده في تركيا، وقال إن منفذ العملية أصبح في مكان آمن. وتؤكد عدة روايات عن التفجير هذا الكلام، منها أن المنفذ وضع حقيبة من المتفجرات في القاعة وخرج. ثم وقع الانفجار بعدها

٢- الاحتمال الثاني: النظام أجهض محاولة انقلابية من خلال التفجير تخلص فيها من عناصر شعر أو عرف بأنها تمثل خطراً عليه

٣- الاحتمال الثالث: التفجير كان عملية قلب طاولة على النظام، على الأغلب بتدبير وعلم من قوى خارجية. وفي هذه الحالة أيضاً يمكن أن يكون الجيش السوري الحر قد نفذها، أو أن القوى الخارجية اخترقت النظام فتعاونت معها عناصر من داخل النظام

٤- الاحتمال الرابع: النظام افتعل التفجير أو تظاهر بأنه حصل كجزء من خطة من خططه الجهنمية في ضوء زحف المواجهات إلى العاصمة، لتبرير ردة فعل معينة من طرفه من تصعيد عسكري وغيره، وربما كي يختفي المسؤولون "الموتى" من الساحة ويتم تهريبهم مثلا إلى أي مكان خارج سورية

المؤكد أن الغموض يكتنف التفجير بعد قرابة ٢٤ ساعة من حصوله، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً على تساؤلات لا نهاية لها، وسيناريوهات متعددة. وبغض النظر عن التفاصيل المغيبة والتي قد لا نعرفها قط، فإن التصعيد قد حصل بالفعل في المواجهات في العاصمة ليس بالضرورة كنتيجة مباشرة للتفجير، أي أن التصعيد كان آتياً على أية حال، لكنه ساهم في إشعال فتيلة الأمور وإسراع وتيرتها، وهي أصلاً مشتعلة

وإن صحت الأنباء الواردة عن إصابات كثيرة ضمن العسكريين من الجيش العربي السوري أي الجيش النظامي في نهاية النهار، فقد يكون الجيش السوري الحر قد حقق فعلاً مستوى عالياً من التكتيك والتدريب والتخطيط والعتاد يمكنه من اختراق النظام على أعلى المستويات ومواجهات جيشه في حرب شوارع خطيرة في أحياء وشوارع دمشق


أريد أن أضيف ملحوظة أخيرة وهي أن اليمن شهد تفجيراً مماثلاً لاجتماع رفيع المستوى .. فهل هي صدفة؟ أم أن السيناريو اليمني مطروح في سورية؟

بانتظار مزيد من الأجوبة في الساعات والأيام المقبلة .. أو ربما فقط مزيد من الأسئلة 

21 Jun 2012

لا تسكت، دافع عن حقوقك، وإلا فسيلتهمون كل شيء


عرفت أوروبا مزدهرة ، تتنفس رفاهية ... عرفتها من قبل في أيام الدراسة ، والآن أتعرف عليها من جديد. أتعرف عليها : متأزمة ، ثائرة ، حائرة  .. تبحث عن سبيل جديد

 التقرير عن مسيرات عمالية نقابية ضد سياسات الحكومات التي فشلت وتفشل فشلاً ذريعاً في إعادة أوروبا الرفاهية إلى حياة الناس.. لأن تلك الحكومات جزء من نخبة سياسية اقتصادية ترتبط مصالحها بمصالحها فيما بينها. أما الشعوب فتبقى دائماً الشعوب التي تحصل على الفتات

طبعاً لا مجال للمقارنة بين ثوراتنا وبين الحراك الموجود في أوروبا لكني لم أستطع أن أقاوم فكرة رادوتني بعد ٩٠ دقيقة من بدء المسيرة .. يا ترى كم معتقلاً وكم شهيداً وكم جريحاً كانوا سيدفعون ثمن خروجهم في مسيرة في سورية بعد أقل بكثير من ٩٠ دقيقة؟

أترككم مع التقرير




تاريخ بث التقرير : ٢١ يونيو حزيران ٢٠١٢
مكان التصوير : مدريد، اسبانيا
تصوير ومونتاج : دانييل ديسترو كانييتي

20 Jun 2012

قلق في اسبانيا .. وعيون على اليونان


أوفدتني الجزيرة إلى اسبانيا لإعداد تقارير عن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بهذا البلد الأوروبي .. أول تقاريري يرصد مواقف الناس ، وسط سوء أحوالهم الاقتصادية ، من توقعات تدهور الأوضاع وإمكانية وقوع اسبانيا في سيناريو اليونان 

غريب بالنسبة لي أن أجد أوروبا في هكذا حال. عرفتها مزدهرة ، تعطي نموذج رفاهية اجتماعية  .. لكن هيهات .. شبابها عاطل عن العمل ، بعضه مشرد في الشوارع والملاجئ



تاريخ بث التقرير : ٢٠ يونيو حزيران ٢٠١٢
مكان التصوير : مدريد ، اسبانيا
تصوير : خوسيه خورادو 
مونتاج : دانييل ديسترو كانييتي
ساهم في الإعداد : آمن عفيفي

6 May 2012

غـزل المـدن



كل يوم أتساءل .. ما دمت أحب كل ركن في الوطن العربي بهذا الشكل، لم الغربة؟ أوطاننا كانت تشعرنا بأن غيرها من الأوطان أفضل منها، لكن ذلك غير صحيح

يمكن مثلاً أن أقضي العمر بطوله مع بدر القاهرة صيفاً ... ومع أمواج الدار البيضاء وطرابلس والرباط شتاءً .. وفي غوطة دمشق ربيعاً .. وفي بيروت خريفاً

وقبل أن أنسى ... سأحجز لي مكاناً في أحضان جبل صبر بتعز .. وآخر في بيت قديم من بيوت صنعاء .. وآخر في وادٍ من وديان عمان .. وآخر في مسقط أسمع منه ارتطام البحر بالصخر.. وآخر في إب والحديدة تحت المطر .. وآخر في عدن على متن جمل .. وآخر في صور أتنقل من قارب صيد قديم إلى قارب أقدم .. وآخر في صلاصة في أول الخريف وآخر الصيف

أنا عاطفية ومنحازة ، أعترف... وأعلن على الملأ أنني لم أعشق مدينة كما عشقتها ... تلك التي عرفتني قبل أن أفتح عيني على الدنيا : دمشق. لم تحتضني مدينة كما احتضتني تلك الفيحاء .. ولم أستنشق من التوابل ما استنشقته بين جدران أزقتها العتيقة .. ولم تلمسني مساحة في المكان كما لمستني هي.. اشتقتُ إليها ولا أعرف إن اشتاقتْ إلي، لكن لا تسألوها فهي الآن عني وعنكم مشغولة

وأرجو من القاهرة ألا تغار .. فقد أحببتها وعشقتها "على كبر" أما دمشق فعرفت حبها "على صغر" .. لا منافسة بينهما ... فالقاهرة قاهرة ، ولا يليق بها أن تغار لا من دمشق ولا من غيرها ... من يرضع من حنان القاهرة لن يشعر يوما بأنه يتيم مهما تيتم

وطبعاً ستسألون: وماذا عن القدس يا ديمة؟ القدسُ يا أصدقائي هي التي سأعشقها مستقبلاً عندما نتعارف ... هي قدري وقدرنا جميعاً، وفيها سأجد زقاقًا ينتظرني منذ الأزل، يعرف اسمي وفصلي ونسبي وأصلي .. لأختبئ فيه وأختفي حتى ينتهي المستقبل .. فالقدس هي القدر

‫وكيف لي أن أنسى بنغازي؟ بنغازي التي تعرفت عليها حرة أبية، بلا كهرباء، لأن كهرباءها كانت لا تزال رهن من تحررت منهم بنغازي دون غيرها - آنذاك .. كنت أشعر أنني وحدي معها في ليلها الدامس، وكان البحر أفضل الرفاق على الإطلاق .. كانت الأمواج تنقلُ إلي بخجل، همسة بعد همسة، أخبار طرابلس الأسيرة - آنذاك‬

‫أما الرياض فمدينة مليئة بالأسرار ... كل سر يخفي سراً آخر ... كلما قشرتَ طبقة، تجد طبقة أخرى ثم أخرى .. وكلما تعمقت في الطبقات، أصبحت الرياض أجمل .. لكن التنقل بين الطبقات سر بحد ذاته‬

وعكس الرياض: بيروت. تلك المدينة التي تتباهى بجمالها بلا خجل، ويبدو لك أن أسرارها أقل من أسرار غيرها. تمشي في شوارعها ليلاً وتشعر بأنك تتجول في حكايات أهلها فهم ذاقوا مرارة الحرب وتعلموا تذوق الحياة على الملأ ، لأن الحياة قصيرة عندما تكون صواريخ العدو قريبة

أما كازابلانكا، الدار البيضاء، فيا إلهي ... لم أر موجاً مثل موجها.. تمتدُ
الموجة أمتاراً طويلة .. وتشعر بأن الموج سيزحف إليك أينما كنت. ما زلت أرى الأطفال يلعبون والموجة تتسلل من تحت أقدامهم .. ما زلت أسمع أصواتهم تختلط مع هدير البحر وكأنها تنادي المهاجرين : متى تعودون من الشمال؟

هل أسمع بغداد تنادي ، وفي صوتها غصة : "وأنا وأنا؟" أنتِ محقة يا بغدادَنا.. هل تذكرين دموعي كل يوم، في كل خلوة بيني وبين مرآة أواجه فيها حقيقة البشر التي سمحتْ لأعتد جيوش العالم أن تغتصبك وتهدر دماءك وتيتم أطفالك وترمل نساءك؟ هل تذكرين كيف اعتصر قلبي حزناً وعجزاً أمام محنتك؟ ودارت الأيام فحلت عليك لعنة الديكتاتوريين العرب واختاروك دون غيرك للجلوس هنيهةً على كراسيك في ما يسمونه "قمة". لكنهم راحلون.. راحلون. وأنا لم أزرك بعد إلا قلباً. لكني آتية .. آتية. وسأستمع إلى حكاياتك من المساء حتى الصباح .. كل مساء وكل صباح

أما أنتِ يا تونس فلا تقلقي ... صمتي عن حبك ليس إلا دلالة على عجزي عن التعبير عن حبٍ أضحى أكبر مني، حبٍ لا تعبر عنه أي كلمات .. فحبك يا تونس هو حب وطن عربي بأكمله. أنتِ شعلة متجددة تنير دروب الحب إلى كل المدن

هل أكمل؟ هل أخبر الدوحة أنني أحبها .. عرفتها وهي طفلة صغيرة ، وعدت لأجدها كبيرة .. مضيئة .. تعج بالكثيرين غيري ممن أحبوها من بعدي.. بعضهم أحلى مني بكثير ، والبعض الآخر أحلى مني بقليل ... لكني على يقين بأن مكاني القديم لن يسرقه أحد لأن الدوحة دوحة الجميع .. دوحة لم تعد صغيرة لا شكلًا ولا فعلاً.. صارت أكبر بكثير مما تخيلتها يوماً

فتشت في الأطلس العربي فوجدت المزيد والمزيد ... الكويت لا أعرفها، نواكشوط لا أعرفها، لكن عمّان تنظر إلي باستغراب، فأسترجع أيامي في مدرجها الروماني وأعدها بالعودة .. وتلك دبي ترمقني بنظرة غريبة، مثل أهلها الغرباء، فأطلب منها السماح لأنها كامرأة من كاتالوغ لا يُعرف إن كانت حلماً أم حقيقة ... وها هي المنامة تناديني، فيها سأنام هنيئة وقد أنام لياليَ أخرى في سترة أو الدراز أو السنابس

أعرف والله أعرف .. السودان تحزم حقائبها ولا تريد مقابلتي... دايرة إشنو؟ انتظري ، كنتُ أبحث عن حبر يليق بك .. فقد وصفوكِ لي وأتوق للقائك وإن كنتِ الآن نصفَ سودان، أو ربما سودانين اثنين ... لا بأس.. فالحب لا تهمه الأنصاف و بكل تأكيد يقبل المـَثنى

لم أنمْ .. أو ربما نمت على سفر.. أو سافرت على نوم .. في أرجاء الجزائر الحبيبة ... فجبت صحراءها، وعرفت طعم قراها، ولامست جدران أزقتها... وتهت في ثنايا باب الواد بالجزائر العاصمة.. تهتُ حتى اختطفني جسر من جسور قسنطينة وكدتُ أقع في وادي الرمال.. لولا أن وهران أصرت إلا أن أقضي الليلة معها.. وهران التي هجرها "ناس شطارة، قعدوا في الغربة حيارة".. فتحتُ عيني في غربتي "الصعيبة" كاراكاس على أمل مواصلة  الرحلة الجزائرية في ليلة أخرى، ومواصلة الرحلة العربية في كل الأيام الأخرى

---

ملاحظة : أتوقع من كثيرين أنهم سيسألون لم كتبتُ عن مدينة أكثر من أخرى، أو لم غيبت مدينة ما؟ هو كلام كتبه قلمي كما تجلى له .. ليس فيه انحياز مقصود ولا إقصاء مقصود. هو القلب يميل كل يوم إلى طرف، لكنه يحب قطعاً كل المدن العربية